الأرمن.. الرقم المُغَيَّب في معادلة السلام بالشرق الأوسط

كارنيك سركيسيان، يريفان ١٠ أكتوبر ٢٠١٨

معظم العرب في دول الشرق الأوسط، بمن فيهم الساسة والعاملين في الشأن العام، لا يعرفون الكثير عن الأرمن الذين يعيشون بينهم ويتشاركون معهم حياتهم اليومية.

الصورة السائدة هي أن الأرمن شعب تعرض للمجازر على يد الأتراك وجاءوا إلى دول الشرق الأوسط كمهاجرين مسالمين يمكن الوثوق بهم وبعملهم الذي تيقنونه ويؤدونه بمهارة. “جالية” مسكينة مسالمة لا تتدخل في شؤون الآخرين ولا تستحق إلا الثناء على وفائها والشفقة على ماضيها..!

ما يعرفه السواد الأعظم من العرب عن الأرمن في السياسة والحياة العامة هو أن الأرمن لديهم أحزاب وكنائس وبعض الأندية الإجتماعية والثقافية، يشاركون في الحياة السياسية في بعض الدول من خلال الانتخابات العامة، ولهم يوم واحد في السنة  (٢٤ من نيسان) يتذكرون فيه المجازر التي تعرض له شعبهم.

في النهاية يعرفون أن هناك دولة إسمها أرمينيا أصبحت مستقلة بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وهي وطن جميع الأرمن الذي يجب أن يعودوا إليه. ولكن لا أحد يعلم الكثير عن دولة أرمينيا الشاملة التي لها إعتراف دولي وحدود دولية وأن القسم الأكبر منها هو محتل بموجب القانون الدولي من قبل ما تسمى بدولة تركيا الحالية.

لا أحد يميز بأن  جذور معظم الأرمن ممن يعيشون حولهم هي في مدن عينتاب وأورفا ومرعش وأضنة وزيتون وسيس وغيرها من مدن كيليكيا التي كانت محررة من الحكم العثماني عام ١٩١٨ بنفس الوقت الذي تحررت فيه سوريا ولبنان وباقي دول المنطقة، وأن كيليكيا كانت تحت الوصاية الفرنسية حتى ما قبل مؤتمر باريس ومعاهدة سيفر وبأنها جرى بيعها إلى مصطفى كمال أتاتورك وليس لتركيا عام ١٩٢١ والذي لم تكن له أية صفة دولية قانونية (بل حتى أنه كان حينها يعتبر خارجاً عن القانون لقيادته عصابات مسلحة وكان قيد البحث ومطلوباً من قبل السلطات التركية في القسطنطينية) ، ولكن فرنسا باعته كيليكيا بموجب إتفاقية غير شرعية ومخالفة للقانون الدولي تم توقيعها في أنقرة لقاء حقوق لفرنسا في مناجم النحاس والكروم والحديد في كيليكيا  لمدة ٩٩ سنة تنتهي في ٢٠٢٠..!

لا أحد يعير إهتماماً لحقيقة أن الأرمن هم من الشعوب الأصيلة الأساسية في المنطقة وأن لهمحقوق ودور وكلمة في كل ما جرى ويجري وسيجري فيها.

أسوأ ما في الأمر أن قسطاَ كبيراً من مسؤولية هذه المحدودية في معرفة الأرمن يقع على عاتقالأرمن أنفسهم.

 الأرمن في دول الشرق الأوسط العربية

 إن وجود الأرمن في الدول العربية )الشرق أوسطية( لم يكن مرهوناً فقط بالمجازر المرتكبة ضدهم والتهجير القسري الذي رافق أو تلا المجازر. فهم متواجدين فيها منذ أزمنة تسبق ذلك بكثير ولو بنِسَب وأحجام متفاوتة. لقد سكن الأرمن في معظم مدن سوريا ولبنان وفلسطين ومصر منذ مئات السنين، وحتى يمكننا الحديث عن آلاف السنين في بعض الأحيان.

فوجود الأرمن في مصر مثلاً موثق بدقة، ففي العصر العباسي كان هناك أمراء أرمن مثل علي بن يحيى الأرمني الذي كان من المحنكين في الفنون الحربية. أما في العصر الفاطمي فقد تمتع الأرمن في مصر بعصر إزدهار ثقافي وديني وتجاري وزادت أعدادهم بتوافد المزيد منهم من سورية وسائر بلاد الشام هرباً من تقدم السلاجقة في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، منهم من تولى الوزارات في مصر مثل بهرام الأرمني والذي وصل عدد الأرمن المهاجرين إلى مصر في عهده إلى ١٢٠،٠٠٠، كما تولى بدر الدين الجمالي الأرمني الوزارة في نهاية عصر الفاطميين وهو الذي جدد أسوار القاهرة بأبوابها الشهيرة مثل الفتوح والنصر شمالاً وباب المتولي جنوباً.

في القرن السابع كانت هناك جالية أرمنية في القدس أرسلت الراهب أبراهام للقاء الرسول محمد (صلعم) وقد سلمه رسول المسلمين منشوراً سمي بالمنشور الأعظم مَنَح بموجبه الأرمن الحق في الحفاظ على هويتهم القومية وحرية الأمتلاك والتعبد. وقد سار جميع من جاء على قمة هرم الدولة الإسلامية فيما بعد وفق ذلك المنشور ولم يخالف مضمونه سوى العثمانيين، والجدير بالذكر أن صلاح الدين الأيوبي الذي استمر في نفس سياسة مضمون المنشور الرسولي يرجع في أصوله وأنسابه إلى بلاد الأرمن حيث ولد أجداده.

التفاصيل كثيرة ويمكن كتابة مجلدات عن العلاقة الأرمنية — العربية ولكننا نكتفي الآن بالتركيز علىثلاثة حقائق مهمة في تاريخ هذه العلاقات.

الأولى: وهي أن الأرمن والعرب في منطقة الشرق الأوسط تقاسموا العيش في دولة واحدة ثلاث مرات، بدأت مع حقبة توسع الدولة الأرمنية إيام الملك ديكران الكبير في القرن الأول قبل الميلاد، والتي وصلت جنوباً إلى عكا ومشارف مصر. وعاش الشعبين في دولة واحدةبقيادة الأرمن، والجدير بالذكر أن السوريين هم من طلبوا الدخول في الدولة الأرمنية طوعاً ولم تحصل أية حروب. أما المرة الثانية فكانت إيام الخلافة الإسلامية حيث سادت الدولة الإسلامية كامل مساحة أرمينيا من القوقاز إلى البحر المتوسط، وتكررت العلاقة المميزة بينهما بكل وفاق وتنسيق وقد تشاركا في دحر البيزنطيين وغيرهم من خلال معاهدة الدفاع المشترك الموقعة بينهما عام ٦٥٢، وقد سادت هذه العلاقات طيلة عهدي الأمويين والعباسيين وتطورت في مجالات الثقافة والتجارة والعلوم وصناعة السفن والأسلحة. لقد استمرت السفن الأرمنية في الإبحار على طول نهري دجلة والفرات من المنابع في أرمينيا وصولاً إلى الخليج العربي. في عام ٧٠١ تم إنشاء دولة أرمينيا بقرار من معاوية والخليفة ضمن قوام دولة الخلافة الإسلامية شملت أرمينيا التاريخية وجورجيا وألبانيا القوقازية وشيروان وآران وشمال القوقاز. أما المرة الثالثة فكانت حين وقع الطرفان تحت نير الحكم العثماني وعانيا معاً ويلات العداء العثماني لكل من الأرمن والعرب على حد سواء. إذن فالتلاقح التاريخي واقع بين الأرمن والعرب في بلاد الشام منذ قديم الزمان وأن تجارب التعاضد والتساند كانت كثيرة ومثمرة بما فيه خير الطرفين، وهذه حقائق مثبتة تاريخياً بعيداً عن المشاعر والعواطف.

الثانية: أما الحقيقة الثانية فتكمن في الدور الكبير الذي لعبه الأرمن في عصر النهضة العربية، حيث عقدت الجلسة الأولى لأنصار النهضة في منزل شخص أرمني، وكان رزق الله حسون (حسونيان) وأديب إسحاق (زورمانيان) أسطع نجمتين في عصر النهضة ومقدميّ أفكارها إلى جانب بطرس البستاني وغيره من الشخصيات العربية في لبنان. جاءت النهضة نتيجة مناهضة الجميع للعثمانيين ولكن الطرف العربي وبحكم الإسلام الذي جمعه مع العثمانيين كانوا قد بدأوا بفقدان شعورهم بالهوية العربية. وبفضل الأرمن في استنهاض الشعور القومي العربي أيقظت النهضة الهوية العربية وأصبحت فكرة التحرر من النير العثماني قضية تاريخية بالنسبة لسائر العرب.

الثالثة: وهي حقيقة تحرير فلسطين وكيليكيا من الحكم العثماني، إذ تم تشكيل فيلق الشرق بإتفاق بين بوغوص نوبار باشا (رئيس الوفد الوطني الأرمني في أوروبا) وكل من فرنسا وبريطانيا وكان يضم متطوعين أرمن وسوريين. وقد كانت قواعد اشتباك هذا الفيلق تنص على ثلاثة نقاط: ١) أن يحارب الفيلق فقط قوات العثمانيين. ٢) أن يحرر كيليكيا. ٣) أن يصبح مستقبلاً نواة للجيش الوطني لأرمينيا بعد انفصال القسم السوري منه، الأمر الذي تم بتاريخ  ١ فبراير ١٩١٩ وأصبح اسمه الفيلق الأرمني.  لقد قام فيلق الشرق  بعد تشكله مباشرة بتلقي التدريبات في جزيرة قبرص ومنه توجه فوراً للبدء بأولى مهامه في المشاركة بتحرير فلسطين. كان قوام المتطوعين الأرمن عبارة عن ستة كتائب بواقع ٨٠٠ مقاتل للكتيبة الواحدة. لقد قاتل هذا الفيلق ببسالة في موقعة عرعرة في ١٨ سبتمبر ١٩١٨ وكانت واحدة من المعارك المصيرية للحرب العالمية الأولى لأن خسارة العثمانيين فيها كان سيعني خسارتهم للشرق الأوسط برمته. تم التحرير وقد قاتل فيها الأرمن ببسالة وتكلفوا العديد من الضحايا. القائد البريطاني أللنبي أشاد بشجاعة وإقدام المقاتلين الأرمن وقدر عالياً مساهمتهم القيمة في تحقيق النصر، بينما قاال القائد الفرنسي روميو في الشهداء الأرمن: ” إرقدوا في مجدكم، وقد عبدتم الطريق إلى الحق والعدالة المسلوبتين في هذه المنطقة منذ قرون”..!

وهكذا نرى أن تاريخ العلاقات الأرمنية — العربية لم تكن أبداً سطحية أو رهينة ظروف مؤقتة بل تضرب جذورها في أعماق الأرض والتاريخ في أصدق تعبير لتماهي الآلام والآمال ووحدة المصير بين الشعوب الأصيلة في منطقة مهد الحضارات التي كانت منذ القديم وحتى يومنا هذا هدفاً للغزاة والطغاة.

يعلمنا التاريخ أن تعاضد الشعوب الأصيلة في المنطقة كان له الدور المحوري في حماية بعضها للبعض الآخر والحفاظ على الهويات القومية المختلفة التي لم تكن يوماً، ولن تكون اليوم، عائقاً أمام استعادة وإعادة إحياء هذا التكاتف والتعاضد وخوض المعارك المصيرية كتفاً إلى كتف، إن على ساحات الوغى أو في أداء رسالة حماية السلم والأمن والاستقرار في كامل المنطقة وصيانة حقوق ومصالح الجميع بما فيه الخير والأمان للجميع. لقد علمنا التاريخ أيضاً قاعدة ذهبية أخرى وهي أن الحفاظ على الأرض هو الأساس بغض النظر عمن يحكمها اليوم أو غداً من أبناء الشعوب الأصيلة في المنطقة. فالأساس أن تبقى الأرض نظيفة وخالية من المعتدين أو المتسللين الغاصبين وأن تبقى السيادة عليها لأصحابها الحقيقيين، أي كان منهم.

من هذا المنطلق والأساس العميق في فهم كينونتنا الحقيقية، نأتي اليوم، نحن الأرمن لنقول أننا هنا على الأرض وسنبقى ونعود للقيام بدورنا كفرد من أفراد الأسرة الكبيرة. كفانا تهميش وكفى المنطقة غياب الدور الأرمني الذي نراه نحن مفتاح الحلول النهائية التي يجب أن تستقر إليها منطقتنا بعودة كافة أبنائها لنثبِّت معاً أسس أمن واستقرار مستقبل أبنائنا وقد ازددنا خبرة ومناعة ووعياً.

 أرمن المهجر وأرمن جمهورية أرمينيا اليوم

 قبل الحديث عن أرمن المهجر اليوم لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء لمرحلة ما بعد المجازر والترحيل القسري من أرض الأجداد والجذور. ونبدأ من فترة بدايات ١٩١٩ حيث كانت الإمبراطورية العثمانية مهزومة ووقعت معاهدة الإستسلام في مودروس في ٣٠ أكتوبر ١٩١٨ ولم يكن قد بقي منها سوى أنقرة ومساحة حولها لا تزيد عن ٢٦،٠٠٠ كيلومتراً مربعاً. كيليكيا كانت محررة وقد بدأ سكانها بالعودة إليها (٢٧٥،٠٠٠ مع بداية ١٩١٩) ومؤتمر باريس للسلام أطلقت أعمالها والتي كان عليها أن تنتهي بعد عام بخمسة معاهدات للسلام تنتهي بها الحرب العالمية الأولى رسمياً وترتسم المعالم السياسية والاستراتيجية الجديدة  للعالم والعلاقات الدولية التي ستحكم الأمم في الفترة اللاحقة.

كان الوفد الوطني الأرمني قد تم تشكيله برئاسة السيد بوغوص نوبار باشا (بوغوص نوباريان) بتكليف أعلى من كاثوليكوس عموم الأرمن كيفورك الخامس في ١٩١٢. كانت مهمة هذا الوفد آنذاك السعي لدى الدول الغربية الأوروبية لتأمين إدخال الإصلاحات في السلطنة العثمانية تضمن حقوق الأرمن وتمنحهم بعض الحريات الإجتماعية والثقافية. ولكن بعد إندلاع الحرب العالمية الأولى أصبحت مهمة هذا الوفد تأمين نجدة دولية لوقف المجازر وإعادة الشعب الأرمني الأصيل لدياره. كان مركز هذا الوفد في باريس حيث كانت للسيد بوغوص نوبار علاقات ديبلوماسية مع القيادات الأوروبية بحكم كونه إبن السيد نوبار نوباريان الذي شغل منصب أول رئيس وزراء لمصر عام ١٨٧٨ ثم تولاها أيضاً في كلٍ من ١٨٨٤ و١٨٩٤، إلتحق نوبار نوباريان بمدرسة إبتدائية في جنيف حيث تزامل مع الأمير نابليون الذي أصبح فيما بعد الإمبراطور نابليون الثالث. أما جده مكرديتش نوباريان فكان معتمداً أساسياً لمحمد علي باشا في الأناضول أثناء الحملة المصرية الأولى على سوريا عام ١٨٣١-١٨٣٣ وعين خلال الحملة الثانية معتمداً مصرياً في باريس ١٨٣٩.

استفاد الأرمن من علاقات عائلة نوباريان الديبلوماسية في أرجاء أوروبا في كسب ود وثقة دول الحلف الأوروبي وعلى رأسها فرنسا وإنكلترا، في حين حافظ بوغوص نوبار على علاقات طيبة مع روسيا من خلال الكاثوليكوس كيفورك الخامس في ايتشميادزين (الكرسي الرسولي لعموم الأرمن). وكانت النتيجة أن حل القضية الأرمنية أصبح حاضراً وبقوة في جدول أعمال دول الحلف وحصل الأرمن على وعود قاطعة باستعادة استقلالهم في دولة أرمينيا على أرض الأجداد بعد هزيمة السلطنة العثمانية.

فمن طرف حصل أرمن أرمينيا التركية (هكذا كانت تسمى أرمينيا الغربية الواقعة تحت نير الحكم العثماني، بينما أرمينيا الشرقية كانت تسمى بأرمينيا الروسية) على مرسوم رئاسي روسي بتاريخ ١١ يناير ١٩١٨ يعترف بحقهم في تقرير المصير حتى الإستقلال، كذلك ورد إعتراف مماثل — ولو ضمني — في النقطة الثانية عشر من نقاط الرئيس الأميركي وودرو ويلسون الأربعة عشر الشهيرة، والتي أعلنها خلال جلسة للكونغرس الأميركي قبل ثلاثة أيام من تاريخ المرسوم الروسي، أي بتاريخ ٨ يناير ١٩١٨. وهكذا دخلت قضية الإعتراف بدولة أرمينيا الشاملة (شرقية وغربية) كدولة مستقلة إلى جدول أعمال مؤتمر باريس للسلام في جو من التفاهم الدولي الكامل عليها. يجدر بالذكر أن بوغوص نوبار باشا قد تقدم إلى مؤتمر باريس للسلام بمذكرة شاملة حول الحقوق الأرمنية والمطالب الوطنية للأرمن مشفوعة بخريطة توضح حدود دولة أرمينيا المأمولة من المؤتمر، والملفت أن مذكرة وزارة الخارجية البريطانية المقدمة لمؤتمر باريس حول نفس الموضوع قد تضمنت نفس الخريطة عينها.

مع نهاية مؤتمر باريس للسلام خرج المؤتمرون بقرار الإعتراف بالدولة الأرمنية والذي تضمن بندين، ١- يعترف المجلس الأعلى لدول الحلف بدولة أرمينيا (إعتراف أمر واقع De facto )، ٢- يتم تقرير حدود هذه الدولة لاحقاً. كان ذلك بتاريخ ١٩ يناير ١٩٢٠ وهو التاريخ الذي نعتبره اليوم هو يوم استقلال أرمينيا الحقيقي. كما نتج عن مؤتمر باريس خمسة معاهدات سلام سميت بالمواقع التي تم التوقيع عليها وهي: فيرساي مع ألمانيا، سان جيرمان مع النمسا، نوييلي مع بلغاريا، تريانون مع هنغاريا، وسيفر مع تركيا.

بتاريخ ١ حزيران ١٩٢٠ وخلال جلسة لمجلس العموم البريطاني أكد رئيسه السيد بونار لاو أن المجلس لا يمكنه إصدار مرسوم إنتهاء الحرب العالمية الأولى دون المصادقة على كافة المعاهدات الخمسة المذكورة أعلاه. يومها كانت كل المعاهدات الأربعة الأخرى قد تمت المصادقة عليها ولم يبق سوى مصادقة معاهدة سيفر، وهنا لا بد من طرح سؤال يفرض نفسه: هل تمت المصادقة على سيفر سراً؟ فالمعلن رسمياً حتى الآن أنها بقيت دون مصادقة، أم أن الحرب العالمية الأولى لم تنتهي رسمياً بعد بالنسبة لبريطانيا…!!؟

من المنافي للقانون الدولي المقولة المتداولة بأن معاهدة لوزان أتت كبديل عن معاهدة سيفر وذلك لسببين بسيطين، الأول شكلاً: أن الدول الموقعة على معاهدة لوزان هي ليست نفس الدول التي وقعت معاهدة سيفر ولا يمكن استبدال أو تعديل أية معاهدة دولية دون توقيع كافة أطراف المعاهدة الأصلية. أرمينيا مثلاً، وقعت على معاهدة سيفر ولكنها لم تكن من عداد الدول الموقعة على معاهدة لوزان. والثاني في المضمون: إذ لم تأتي معاهدة لوزان في نصوصها بأي ذكر لمعاهدة سيفر لا من جهة كونها بديلاً أو تعديلاً ولا من جهة أية مادة أخرى تتعلق بمعاهدة سيفر، إذن ما يتم تداوله عن كون لوزان بديلة لسيفر ليس إلا تشويه للحقائق ومخالف للقانون الدولي.

والأكثر من ذلك، أن معاهدة لوزان تضمنت رسم حدود الدولة التركية مع كلٍ من سوريا والعراق وفق البندين ٢.١ و ٢.٢ كذلك مع كلٍ من بلغاريا واليونان وفق البندين ٣.١ و ٣.٢، ولم تتطرق بأي شكل من الأشكال إلى حدودها مع أرمينيا أو جورجيا، لأن حدودها مع أرمينيا مثبتة في المادة ٨٩ من معاهدة سيفر وكذلك القرار التحكيمي للرئيس ويلسون. وبالتالي ليس لتركيا أية حدود مع جورجيا، ولذلك غاب موضوع الحدودين في معاهدة لوزان، الأمر الذي يثبت أن معاهدة سيفر كانت ولا تزال سارية المفعول ولا تجرؤ أية دولة في العالم التوقيع على أية معاهدة أو إتفاقية دولية تتعارض مع معاهدة سيفر.

دولة أرمينيا المعترف بها (إعتراف أمر واقع De facto) في ١٩ يناير ١٩٢٠ وقعت إلى جانب دول الحلف على معاهدة سيفر بتاريخ ١١ مايو ١٩٢٠ وأصبح بذلك الإعتراف بها قانونياً   De jureونهائياً وغير قابلاً للإلغاء أو السحب.  

حكومة الطرف التركي وبعد مماطلة يائسة وقعت على معاهدة سيفر بتاريخ ١٠ أغسطس ١٩٢٠ كطرف مهزوم. حكومة أرمينيا الغربية قامت بخطوة مدروسة وصادقت على معاهدة سيفر بتاريخ ٢٤ حزيران ٢٠١٦، فوقعت “محاولة الإنقلاب الفاشلة” في تركيا بتاريخ ١٥ يوليو ٢٠١٦ (كافة التقارير تشير إلى أنها كانت من تدبير السلطة في تركيا لتطلق حملة واسعة من الإعتقالات والتغييرات في مواقع حساسة عديدة في الدولة)، ثم قامت تركيا بتاريخ ٢٧ يوليو٢٠١٦ بالإعتذار رسمياً (وباللغة الروسية) من روسيا عن إسقاطها لطائرة سوخوي ٢٤ بعد أن كانت ترفض فعل ذلك..! هل للتواريخ الثلاثة أيةعلاقة ببعضها؟؟ خاصة أن الرئيس التركي أكثَرَ من ذِكرِمعاهدتي سيفر ولوزان في خطاباته المتعددة في تلك الأيام لدرجة أنه أثار استغراب الكثير من المحللين السياسيين الأتراك قبل غيرهم.

حكومة أرمينيا الغربية اليوم هي استمرارية حكومة دولة أرمينيا التي نالت الإعتراف الدولي عام ١٩٢٠، وهذه ممارسة متعارف عليها في القانون الدولي، فدولة الإتحاد الروسي اليوم مثلاً هي استمرارية دولة الأتحاد السوفييتي وقد أعلنت ذلك رسمياً. والجدير بالذكر أنه وبموجب القانون الدولي فإن الإعترافات الدولية بالدول الجديدة غير قابلة للاستعادة أو الدحض أو الإلغاء.

بعد الإعتراف القانوني بدولة أرمينيا في ١١ مايو ١٩٢٠ جاء القرار التحكيمي للرئيس الأميركي وودرو ويلسون بخصوص رسم الحدود السياسية بين دولتي أرمينيا وتركيا. وقد جاء هذا القرار بتاريخ ٢٢ نوفمبر ١٩٢٠ بعد أن تقدمت ٢٧ دولة بما فيهم إنكلترا وفرنسا وأرمينيا وتركيا ودول أخرى فاعلة بطلبات رسمية توكل الرئيس الأميركي بإجراء هذا التحكيم. ووفق القانون الدولي مرة أخرة فإن القرارات التحكيمية الدولية تكون ناجزة ونهائية ولا تقبل الطعن وهي ملزمة للدول المتقدمة بالطلب كذلك للدولة صاحبة القرار التحكيمي، أي الولايات المتحدة الأميركية، خاصة وأن القرار التحكيمي المذكور قد تم مهره بالخاتم الأعظم للولايات المتحدة الأميركية، ما يجعله يتحول إلى قانون بالنسبة لأميركا وكذلك له قوة القانون الدولي نظراً لكونه ملزم لعدد كبير من الدول. (الخريطة أدناه)

بعد سبعة أيام من تاريخ القرار التحكيمي الخاص برسم حدود دولة أرمينيا (الشاملة: شرقية وغربية معاً) دخلت أرمينيا الشرقية، ولأسباب لا يمكن إعطاء أي تفسير مقنع لها سوى أن القائمين عليها آنذاك كانت لهم وجهة نظر مختلفة،  في منظومة الدول السوفيتية متخلية بذلك عن كل حقوقها في دولة أرمينيا الشاملة، الأمر الذي يمنعهااليوم من التقدم أمام المنابر الحقوقية الدوليةكمتحدث عن حقوق دولة أرمينيا الشاملة، وخاصة حقوق دولة أرمينيا الغربية.

بالإنتقال إلى مرحلة ما بعد ١٩٢٣ ، أي تاريخ تأسيس دولة “تركيا الحديثة” الإصطناعية على حساب حقوق دولة أرمينيا بتواطئ فاضح من قبل الدول الغربية نفسها الموقعة على حقوق أرمينيا الغربية، لم يتبق للجهات الأرمنية في دول المهجر أي مجاال لممارسة العمل السياسي. فقام مناصرو الأحزاب الأرمنية التقليدية، التي نشأت وتأسست في الوطن المحتل للكفاح من أجل استقلال أرمينيا من نير الإحتلال العثماني، بإعادة تنظيم أنفسهم مرة أخرى “كأحزاب” لم يتبق منها سوى الشعارات الثورية ولكن دون أرضية واقعية لممارسة تلك الشعارات، فانبرت إلى ممارسة العمل الإنساني والإجتماعي والإهتمام بتنظيم الحياة اليومية للمهجرين الأرمن في دول الإستضافة ومساعدتهم للتكيف مع الأمر الواقع الجديد. لقد قامت هذه الأحزاب والجمعيات بعمل جبار ومهم في فترة صعبة من الزمن لتأمين المأوى للأيتام وفتح المدارس وممارسة أنشطة ثقافية وإجتماعية للحفاظ على الهوية واللغة وحلم العودة للوطن. ومع مرور السنين واستمرار تدفق المساعدات المالية التي كانت تأتي من جهات دولية لمساعدة المهجرين الأرمن ضمن سياسة تحويل شعب حي كامل إلى مجرد لاجئين لا حقوق سياسية أو وطنية لهم واستبدال تلك الحقوق بالشفقة وتركيز إهتمامهم على تحسين أوضاعهم المعيشية في بلدان الهجرة.

كانت الخطة بالنسبة للجهات المتواطئة على نكران حق الأرمن في دولة مستقلة، وتجيير ذلك الحق إلى دولة إصطناعية عقدوا معها صفقات مستقبلية ظهرت معالمها في السنين الماضية خلال الحرب الكونية على سوريا، تكمن في إبقاء الأرمن بعيدين عن ممارسة أية نشاطات جدية لجهة المطالبة بحقوقهم. وقد ساعد في تحقيق وتطبيق هذه الخطة عدم وعي القيادات الأرمنية المنضوية في الأحزاب المعاد تنظيمها في المهجر، والتي سميت بالأحزاب والجمعيات الأرمنية بينما في الحقيقة لم تعد أرمنية لأنها تم ترخيصها حسب قوانين الدول المستضيفة كشخصيات إعتبارية لها هوية الدولة المستضيفة ولكنها تحمل أسماء أرمنية. وبالتالي أصبح نشاط تلك “الأحزاب” محدوداً ضمن حدود السياسات الداخلية والخارجية لتلك الدول، ما أدى مع الزمن لاستحالة القيام بأية نشاطات سياسية أرمنية ذات قيمة قانونية دولية.

دخل الشلل السياسي إلى الواقع الأرمني في دول المهجر، وتحولت الأحزاب والجمعيات إلى مؤسسات تخدم فقطإستمراريتها، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى جزر سياسية دخل إليها الفساد المالي والإداري، الأمر الذي أخرجهم نهائياً وطوعاً عن ممارسة أي عمل سياسي جدي لجهة الدفاع عن الحقوق الأرمنية المغتصبة في إستعادة دولتهم المعترف بها والمحتلة إلى الآن من قبل دولة أجنبية هي تركيا. ولعل قضية الركض وراء سراب “الإعتراف بالمجازر” شكلت نوعاً من الهروب إلى الأمامبالنسبة لكافة المؤسسات الأرمنية في المهجر من سياسية أو إجتماعية أو دينية. بهذه الطريقة استمرت هذه المؤسسات بالتظاهر بفعل شيء ما “وهام” على الصعيد الوطني بينما في الحقيقة كان جل همهم هو ضمان ولاء العامة من خلال استغلال المشاعر القومية والوطنية للحفاظ على تلك المؤسسات التي أصبحت مصدر رزق لقياداتها.

ليس في القانون الدولي ما ينص على أن حقوق الشعب الأرمني التي سبق ذكرها أعلاه مرهون تطبيقها بالإعتراف بالمجازر..!!!! لا وجود لهكذا نصوص أو شروط مسبقة، فلماذا إذن كل هذا التضليل لعامة الشعب الأرمني المهجَّر في كافة أنحاء العالم، والذي أولى الثقة والولاء لهذه “المؤسسات والقيادات”؟ نذكر جيداً أن الكلام عن السياسة كان ممنوعاً على الشباب الأرمني داخل الأندية التابعة للأحزاب والجمعيات..! لماذا؟ ولخدمة أي هدف شريف..؟

من خضم هذا الشلل السياسي الغير مقنع لجيل الشباب، انفجرت ظاهرة الكفاح المسلح الأرمني المعاصر عام ١٩٧٥ (الجيش الأرمني السري لتحرير أارمينيا — أسالا) عندما كانت الفرصة سانحة بفضل الفوضى الأمنية السائدة بفعل الحرب الأهلية في لبنان. كانت صرخة أراد بها بعض الشباب الأرمني الواعي التعبير أولاً عن رفضه لهذا الصمت المريب السائد في الساحة السياسية الأرمنية بالدرجة لأولى قبل أي شيء آخر. كانت محاولة دون أفق سياسي مدروس أو محسوبة النتائج. ولكنها فعلت فعلتها إلى درجة معينة لجهة بروز وعي عام بضرورة إعادة ترتيب البيت الأرمني السياسي الداخلي بعيداً عن تقييدات المؤسسات الأرمنية المشلولة والتي أصبحت عائقاً جدياً أمام أي فكر سياسي حر يسعى للدفاع عن حقوقنا الوطنية المعترف بها دولياً والتي هي أكثر من دامغة وكافية ولا ينقصها سوى من يتبناها ويتصدى لمسؤولية تمثيلها والعمل الحقيقي لتطبيقها.

من هذا المفهوم نشأت ضرورة تأسيس هيئة أرمنية سياسية تمثيلية تكون لها الصفة القانونية للتكلم بإسم أرمن أرمينيا الغربية المغتصبة المنتشرين في دول المهجر في كافة أنحاء العالم. فكانت حركة مجموعة كبيرة من المثقفين والمفكرين الأرمن من دول عديدة حول العالم، وخاصة لبنان وسوريا، وصل عددهم إلى ما يزيد عن الخمسين شخصية معتبرة ذات تاريخ مشرف في نشر الفكر الوطني خلال عقود السبعينات والثمانينات من القرن الماضي بشكل مستقل عن المؤسسات الأرمنية التقليدية. قامت هذه المجموعة بصياغة خارطة الطريق لإنشاء تلك الهيئة السياسية التي يجب أن تتمتع بصفة المتحدث الشرعي والوحيد بإسم أرمن أرمينيا الغربية، مستفيدين من تجربة الشعب الفلسطيني ونجاحه في إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية التي تمتعت بصفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وبدأت هذه المجموعة بالتوجه إلى كافة المؤسسات السياسية والإجتماعية والدينية الأرمنية للإِنْضِمام إلى هذه الهيئة بل وقيادتها نظراً لما لدى تلك المؤسسات التقليدية من إمكانيات مادية وتنظيمية تراكمت عبر العقود في المهجر، ظناً منهم أن هذا المشروع الوطني سيعيد الحياة إلى تلك المؤسسات المشلولة والمنشغلة في مهمة الحفاظ على ذاتها، فجاءت النتيجة صادمة حين كان أول من وقف بوجه هذا المشروع الوطني الفريد هي نفس تلك المؤسسات التي فرضت نفسها وخطفت ولاء العموم الأرمني بالشعارات الوطنية الرنانة الفارغة، بينما في أول خطوة عمل وطني جاد إجتمعت جميعها لتقف في وجه هذه المحاولة اليائسة وقضت على كل الفرص لتحقيق ذلك المشروع الرائد وقتلته في مهده حفاظاً على المؤسسات والمكاسب الذاتية…!!

 حاضر الأرمن: عودة أرمينيا الغربية وعودة الدور الأرمني الفاعل في المنطقة

 إنهار الإتحاد السوفييتي وتفكك، وبدورها عادت شقيقتنا “أرمينيا الشرقية” التي كان إسمها في الإتحاد السوفييتي “الجمهورية الأرمنية الإشتراكية السوفييتية” مستقلة مرة أخرى، وأصبح إسمها “جمهورية أرمينيا“. وبرزت قضية منطقة غاراباخ الجبلية التي كان يجب تحديد هويتها بين أن تبقى تابعة للسيادة الأذربيجانية، كما كان جوزيف ستالين قد قرر بشطبة قلم نقلها من السيادة الأرمنية إلى الآذيرية، أو أن تتحرر منها. عندها هب الأرمن في كافة أنحاء العالم للتطوع في الدفاع عن الهوية الأرمنية لتلك المنطقة الغالية على قلوب كل الأرمن،  والتي هي جزء لا يتجزأ من دولة أرمينيا الشاملة،  والتي كان وبموجب معاهدة سيفر يجب رسم حدودها مع أذربيجان بالإتفاق بين دولة أرمينيا الوليدة حينذاك ودولة أذربيجان وفق المادة ٩٢ من معاهدة سيفر، ولكن وبحكم إنضمام أرمينيا الشرقية إلى الإتحاد السوفييتي ووقوع منطقة غاراباخ بينها وبين أذربيجان التي إنضمت هي الأخرى للإتحاد السوفيتي وإنقلاب مصطفى كمال أتاتورك على معاهدة سيفر بقيت منطقة غاراباخ رهينة الإتحاد السوفييتي حتى إنهياره ونشأ إثر ذلك الصراع عليها.

 تم تحرير غاراباخ بجهود جميع الأرمن، وفي خضم نشوة التحرير تولدت عند بعض شباب أرمن المهجر المشاركين في تحرير غاراباخ، مع مجموعة من شباب أرمينيا الشرقية المؤمنين بضرورة وحتمية استعادة دولة أرمينيا الشاملة، تم تأسيس “المجلس الوطني لأرمينيا الغربية” في مدينة شوشي في غاراباخ بتاريخ ١٧ ديسمبر ٢٠٠٤، حيث تعهد المؤسسون بالكفاح من أجل تحرير آخر شبر من الأراضي الأرمنية المحتلة واستعادة دولة أرمينيا بما فيها كيليكيا.

في البداية تركز عمل المجلس الوطني لأرمينيا الغربية في لجنة صياغة الإعلان الأممي لحقوق الشعوب الأصيلة، في ٢٠٠٦ إنضم رئيس المجلس السيد أرمناك أبراهاميان وبعض أعضائه في تلك اللجنة التابعة للأمم المتحدة، وكان لهم الدور الكبير في صياغة ذلك الإعلان الأممي الذي أصدرته الأمم المتحدة في ١٣ سبتمبر ٢٠٠٧، والمثير للإهتمام أنه جاء مطابقاً لإعلان حقوق أرمن أرمينيا الغربية الصادر في باريس عن المجلس الوطني لأرمينيا الغربية بتاريخ ٢٠ يناير ٢٠٠٧، أي قبل ٩ أشهر من إعلان الأمم المتحدة..!

كانت القناعة الراسخة لدى المجلس الوطني لأرمينيا الغربية تقول بأن تطبيق حقوق الشعب الأرمني لا يمكن تحقيقه من خلال منظمات أو أحزاب بل بواسطة مؤسسات دولة أرمينيا التي بقيت شاغرة منذ ١٩٢٠ ولم تنبري أية جهة أرمنية سياسية لتبني مسؤوليتها في الحفاظ عليها. فالدولة موجودة ومعترف بها دولياً وأصولاً وحدودها معتمدة دولياً وأراضيها محتلة بموجب معاهدة لاهاي الرابعة ١٨/١٠/١٩٠٧، الجزء الثالث البند ٤٢ ، ولا يبقى سوى أن يقوم الأرمن بتحمل مسؤولياتهم في ممارسة سلطات دولتهم ولو كانت تحت الإحتلال، ولا يتطلب هذا الأمر إذناً أو مباركة من أحد سوى الشعب الأرمني المهجر نفسه. ومن هنا بدأ المجلس الوطني لأرمينيا الغربية في ٢٠١١ بمنح صكوك المواطنة لأرمن أرمينيا الغربية المنتشرين حول العالم.

في عام ٢٠١٤ وصل  عدد الأرمن المتقدمين بطلبات الحصول على بطاقات الهوية الخاصة بأرمينيا الغربية إلى ما يزيد عن  ١٨،٠٠٠ أرمني من أكثر من ٤٠ دولة في العالم، وتقرر تأسيس مجلس نيابي لأرمينيا الغربية لتكون الخطوة الأولى في طريق إعادة تكوين باقي مؤسسات الدولة من خلال البرلمان. وهكذا جرت أول إنتخابات نيابية لدولة أرمينيا الغربية من ٢٢/١١/٢٠١٣ إلى ١/١٢/٢٠١٣ وصدرت النتائج بتاريخ ١٧/١٢/٢٠١٣ وبذلك أصبح لدولة أرمينيا الغربية أول برلمان منتخب يضم ٦٤ نائباً ، وهو فعلياً أول هيئة سياسية أرمنية منتخبة في المهجر.

باشر برلمان أرمينيا الغربية أعماله فوراً بإنتخاب رئيس للدولة ولجان برلمانية مختلفة، ثم قامالرئيس المنتخب أرميناك أبراهاميان (هو أيضاً رئيس المجلس الوطني لأرمينيا الغربية) بتعيينرئيس للحكومة وأصدر مجموعة من المراسيم كان أولها الإعلان عن استمرارية دولة أرمينيا المعترف بها في ١٩ يناير ١٩٢٠ من خلال الحكومة المنتخبة.

مرة أخرى قامت المؤسسات الأرمنية التقليدية بمهاجمة هذا الحراك السياسي الجاد وأعتبرته منافس قوي لها على الساحة الشعبية والسياسية الأرمنية، ومارست كافة أشكال الممانعة لإنتشار فكر ونهج إعادة إحياء واستمرار دولة أرمينيا المستقلة وذلك من خلال التعتيم الإعلامي التام، ونشرالشائعات والمعلومات المضللة الساعية لشيطنة هذا الحراك الوطني المقدس، وكذلك عملت على تجنيد بعض المنضوين في مؤسسات دولة أرمينيا الغربية من خلال الإغراءات المادية بهدف خلق حركات انشقاقية تضعف العملية السياسية الوطنية الوليدة، كما تمت ممارسة ضغوط حثيثة لمنع هذا الحراك السياسي الأرمني الوليد من الوصول إلى مصادر التمويل والدعم المادي.

بالرغم من كافة الضغوطات والممارسات المعادية لمنع توسع وازدهار مؤسسة دولة أرمينيا الغربية، قامت المجموعة القيادية المركزية فيها بجهود جبارة لحماية هذا العمل الوطني المعاصر الرائد. واستطاعت هذه النواة الصامدة من التغلب على هذه الهجمة الشرسة من خلال تنظيف البيت الداخلي إلى حد بعيد وتقوية حراكه السياسي، من خلال تكثيف المشاركات في اللجان المختلفة في الأمم المتحدة، كذلك من خلال تطوير أنشطتها التعبوية والتبشيرية بكل الوسائل المتاحة وخاصة على شبكة الإنترنيت حيث أنشأت بشكل مباشر أو من خلال المواطنين المسجلين عشرات المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي، كما قررت الإنفتاح نحو المحيط العربي خاصة والشعوب الأصيلة الأخرى عموماً.

لقد ثبتت المؤسسات الحكومية لدولة أرمينيا الغربية أقدامها مرحلياً، وبدأت بتطوير السياسات الداخلية والخارجية الكفيلة بحماية استمرار العمل السياسي، من أجل تطبيق حقوق أرمينيا الغربية من جهة، ولأجل توسيع القاعدة الشعبية المؤمنة في هذا الحراك الوطني المقدس من الجهة الأخرى.

من خلال التجربة العملية والممارسة اليومية تبين للقائمين والمسؤولين في حكومة أرمينيا الغربية أن المجهود الأكبر يذهب لجهة نشر الوعي السياسي الغائب خلال عقود طويلة لدى الفرد الأرمني المهجر، الذي وبحكم شلل المؤسسات الأرمنية التقليدية قد فقد الأمل في تحرير الوطن كما فقد الثقة في أية مؤسسة أرمنية تدعي العمل الوطني. الأمر الذي ولد لدى أرمن المهجر نوع من أنوع اللامبالاة والسلبية، والإنصراف الكلي إلى إدارة حياتهم وكسب قوتهم اليومي.

إن الشعب الأرمني الُمهَجَّر بحاجة ماسة اليوم إلى نهضة قومية ووطنية شاملة، كحال العرب إبان الحكم العثماني حين كانوا مهددين بفقدان الهوية القومية لصالح الهوية الدينية.

نحن نعلنها اليوم صراحةً بأننا بحاجة لنجدة ومساعدة إخواننا العرب في دعمنا لتحقيق تلك النهضة القومية الأرمنية، قبل أن يفوت الأوان وتذهب كل جهودنا في أدراج الرياح، فلا نحرر وطناً ولا نتمكن من المساهمة في حماية وتطوير منطقتنا ومهد أجدادنا وتاريخنا المشترك.

اليوم نعيش في عالم مختلف عن أيام النهضة العربية. حينها استطاع بعض المفكرين الأرمن من لعب دور أساسي في قيام النهضة من خلال الأدب والأفكار القومية النيرة. أما اليوم فنحن بحاجة لوسائل متطورة لإستثارة النهضة القومية، مع الإعتراف بأهمية أثر الفكر والأدب. اليوم نحن نعيش عصر المعلوماتية السريعة والإتصالات والفضاء الإفتراضي. وبالتالي فإن أدوات النهضة اليوم ستكونمختلفة حتماً عن أدوات الأمس.

قيام النهضة القومية الأرمنية اليوم يحتاج منا تحقيق خطوات ملموسة في السياسة الواقعية على الأرض، وإحراز تقدم ونتائج واضحة للعيان بالنسبة لأرمن المهجر، وخاصة جيل الشباب الذي نمى على الإيمان بالأفعال الملموسة العملية أكثر من الشعارات والنظريات والسياسات، مهما كانت الأخيرة صادقة وحقيقية وضرورية.

هناك دول في المنطقة نعتبرهم حلفاء طبيعيين للأرمن، نجدهم اليوم يراقبوننا عن بعد بخجل. نتفهم هواجسهم ولا نلومهم عليها، فمؤسساتنا التقليدية هي التي خلقت تلك الصورة عن أرمن المهجر في أذهان حلفاءنا وأخواننا في المنطقة. ولكننا كنا نعول على فطنة وصحوة هؤلاء الأخوة وقدرتهم على التمييز.

إن ساحة النضال الخارجية لا تقلقنا، فنحن أقوياء على تلك الجبهة ولدينا كل مقومات المواجهة على كافة الأصعدة القانونية والسياسية، وحتى في مجال الطروحات الاستراتيجية البناءة. ولكن نقطة ضعفنا هي الداخل الأرمني في المستوى الشعبي، الذي وبالرغم من حيويته الفائقة فيما يتعلق بالروح الوطنية والقومية، إلا أنه يبقى في شلل وفقدان وعي سياسي قاتل.

ضمن سياق مفهومنا السياسي العام، وإلى أن تتحسن الظروف الداخلية وصياغة علاقات أفضل مع حلفاء الشعب الأرمني الطبيعيين، تستمر المؤسسات الحكومية لأرمينيا الغربية في ممارسة عملها السياسي وتحمل مسؤولياتها بوعي تام تجاه إيقاع التطورات السياسية والأمنية في المنطقة.

 جمهورية أرمينيا الغربية، بين الحقيقة …..، والحقيقة

 إن فشل المؤامرة الكونية، والتي كانت الحرب العالمية على سوريا وموقعها وقرارها السيادي إحدى حلقات الفصل الأساسية فيها، يفتح في المجال بناء الكثير من الآمالٍ التي كانت وإلى فترة ماضية قصيرة نسبياً، صعبة الأخذ بعين الحسبان في المعادلات السياسية الواقعية. لم تكن تلك الآمال مستحيلة أو غير مشروعة، بل كان واجباً توخي الحذر من الذهاب في حسابات متفائلة مسبقة. كان معلوماً منذ اليوم الأول، أن الحرب القادمة ستكون شرسة، وأنها حرب كسر عظام وليست حرب تسجيل نقاط.

اليوم، نحن نشهد مرحلة وضع كافة الأوراق على الطاولة، لكنها لا زالت مستورة والضباب كثيف حولها. فحروب كسر العظام لا تنتهي بسهولة، تفشل ولكن لا تنتهي، … بسهولة.  وهنا لا بد من التنبه إلى أن الحرب الديبلوماسية المرافقة للحرب العسكرية، ربما هي التي ترسم شكل نهاية الحرب، وتقلبها رأساً على عقب، أو تفرغ إنتصارات الجيوش على الأرض من مضامينها.

وهذا ما يحاول البعض تمريره اليوم. فمن فشل في كسب الحرب العسكرية يحاول بالسياسة عدم خسارتها. أو على الأقل، تحويلها إلى حرب تسجيل نقاط ليس إلا. ولكن هل يسمح بذلك الطرف الذي أفشل الحرب وأفرغ كل مضامينها وأهدافها؟

نحن اليوم أمام إحتمالين إثنين، إما الإستفادة من الفرصة التاريخية النادرة والذهاب إلى حلول سياسية نهائية تضمن أمن وسلامة واستقرار منطقة الشرق الأوسط وبالتالي أمن واستقرار وازدهار عالم الغد برمته، أو القبول بحلول “حفظ ماء الوجه” و”النزول عن الشجرة” والإكتفاء برد الهزيمة دون السعي لقطف ثمار النصر، الأمر الذي سيفتح  في المجال لحروب قادمة ولو بعد حين.

إذن إما الحلول الدائمة أو الآنية. بتقديرنا فإن الإحتمال الأول هو ما يبدو في الأفق ويشي به منطق الأمور، حتى الآن. خاصة أن الحرب تدور في سوريا ولكن نتائج نهايتها ستنعكس على كامل المنظومة السياسية التي ستحكم العلاقات الدولية إلى فترة لا تبدو قصيرة في المستقبل القادم.

هذه الحرب هي حرب استراتيجية بامتياز، ونتائج الحروب الاستراتيجية لها مفاعيل ارتدادية تنتشر حكماً في محيطها الجغرافي والسياسي. هذا من جهة، من جهة أخرى لا يمكن لإحدى الأطراف الأساسية في الحرب أن تبدأ في المعسكر المعتدي، وتذهب بعيداً في ارتكاب الإعتداء وتتجاوز كل نقاط اللاعودة، ومن ثم تقرر بكل بساطة أن تنتهي في المعسكر المنتصر على المعتدين..! 

في نهاية الحرب العالمية الأولى كانت تركيا في عداد الطرف المهزوم )حتى الأذنين(، ولم يتبق منها سوى مدينة أنقرة و٢٦،٠٠٠ كيلومتراً مربعاً من حولها، ولكنها وبحكم فعل السياسة وديبلوماسية الغرف الخلفية، إستطاعت أن تخرج بدولة ذات مساحة ٨٥٠،٠٠٠ كيلومتر مربع على حساب الشعب الأرمني في كلٍ من أرمينيا الغربية وكيليكيا، وتحولت بفعل هذا الكسب الجغرافي إلى خطر كاد أن يقضي على وجود المنطقة برمتها.

هل ستتكرر التجربة ذاتها ويكافأ المجرم مرة أخرى؟ هل ستخرج تركيا المهزومة على الأرض “منتصرة” في السياسة، ونجدها في عداد المنتصرين تقطع حصتها من ثمار النصر؟ وعلى حساب من هذه المرة؟ سوريا أم العراق أم جمهورية أرمينيا الشرقية وغاراباخ، وربما أيضاً اليونان وباقي قبرص؟ هناك أنباء عن نقل أعداد من العصابات الإرهابية الوهابية الخاضعة لتركيا إلى كل من أذربيجان وناخيتشيفان والشق الشمالي المحتل من قبل تركيا، وكذلك إلى قرى ومدن في أرمينيا الغربية المحتلة.

كان المشروع الطوراني ولا يزال، القاضي بربط تركياً براً بأذربيجان وبحر قزوين ومن ثم آسيا الوسطى وصولاً إلى مقاطعة أويغور في الصين، وهي مسقط رأس الأتراك، يشكل تهديداً مباشراً ليس فقط للأمن القومي الأرمني والعربي والإيراني واليوناني وباقي الشعوب الأصيلة في المنطقة من آشوريين وسريان وكلدان وإيزيديين وغيرهم، بل أيضاً وبشراسة كبرى للأمنين القوميين الروسي والصيني على حد سواء. تركيا الحالية لا تنفي استمرارها فيالالتزام بهذا المشروع الهدام للمنطقة برمتها، وقد صرح بذلك الرئيس أردوغان مراراً، وليس صدفة أن إرهابيين أويغور كانوا من أوائل الوافدين للقتال في سوريا برعاية تركية وهم اليوم في إدلب ولن يخرجوا منها إلا بأمر من أردوغان شخصياً.

لقد أسس المشروع الطوراني وروج لفكره كتّاب وأدباء صهاينة أوروبيين طوال نصف قرن من ١٨٧٣ وحتى ١٩٢٣ كمشروع استراتيجي حيوي في سبيل مشروع حكم القطب الواحد للعالم وتطويع الشعوب والأمم. وإذا نظرنا إلى مشكلة غاراباخ من منظور المشروع الطوراني نبدأ في فهم أسباب إستماتة الغرب للوصول إلى ترتيبات تنهي قضية غاراباخ لصالح الأرمن لقاء تنازلهمعنممر بري عبر منطقة زانكيزور في جنوب جمهورية أرمينيا الشرقية تصل تركيا بأذربيجان براً..!! بل أنهم لمحوا بإمكانية ضم أجزاء إضافية من أراضي تركيا الحالية إلى جمهورية أرمينيا الشرقية إن هي وافقت على منح ذلك الممر..!!

لن تستقر منطقة الشرق الأوسط طالما كان المشروع الطوراني مطروح على أجندة تركيا ومن ورائها في المعسكر الغربي، ولن يطوى هذا المشروع طالما كان الصراع الدولي قائماً بين المعسكرين المختلفين حول أحادية أو تعددية النظام السياسي العالمي.

أمر وحيد يضع حداً نهائياً للمشروع الطوراني وهو قيام دولة أرمينيا الغربية الذي سيغلق ذلك الباب مرة وإلى الأبد بوجه كل من عمل ويعمل على زعزعة أمن واستقرار المنطقة منذ قرون. هكذا تبدو عملية استباحة حقوق أرمينيا الغربية ومنع قيامها في أعقاب الحرب العالمية الأولى أكثر فهماً ووضوحاً.

ليس مسموح في قاموس القوى الدولية الساعية للسيطرة على القرار السياسي في العالم أن تعود أرمينيا الغربية إلى السيادة الأرمنية. وليس صدفة وضع عبارة “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل” عند مدخل الكنيست الإسرائيلي. أليست منابع الفرات تقع في قلب أرمينيا الغربية وصولاً لسهول جبل أرارات من الجهة الغربية؟ والأرمن لن ينسوا حقيقة أن أول معارضٍ للقرار التحكيمي الذي أصدره الرئيس الأميركي وودرو ويلسون بخصوص رسم حدود أرمينيا الغربية كان حاييم وايزمان وليس الأتراك…!

بناءً على كل ما سبق يمكن تلخيص مجمل القضية في المعادلة التالية: “لا سلام و لا استقرار في العالم من دون السلام والاستقرار في الشرق الأوسط أولاً. ولا سلام  ولا استقرار في الشرق الأوسط من دون إحقاق كافة الحقوق في المنطقة وعلى رأسها إقامة دولة أرمينيا الغربية”.

في سياق هذا المفهوم والقناعة المستندة إلى تجارب التاريخ ومعطيات الجغرافيا السياسية التي يدور حولها مجمل منطق تطور الأحداث في المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى، لا بد من التحضير المسبق لوضع تصورات عملية لما يمكن لهذه الحرب الكونية أن تفضي إليه، خاصة في حال رجوح إمكانية تبلور قرار جماعي للذهاب إلى حلول جذرية ونهائية للمشاكل العالقة في المنطقة.

النصر في الحروب الإستراتيجية هو الأساس، ولكن الأهم هو حماية وترسيخ هذا النصر كي يدوم ويتطورويكسب الحصانة اللازمة ضد مؤامرات أخرى ستأتي في المستقبل. 

Input your search keywords and press Enter.